تسببت الشائعات التي تتداول في أوساط العاملين في سوق مكة العقارية مع مطلع العام الجاري في خلق غيمة ضبابية حجبت الرؤية أمام التوجه العام للسوق، الأمر الذي بدوره أسهم في خفض أسعار قطع الأراضي المنح إلى نحو 20 في المائة، وخفض أسعار إيجار المساكن التي صرح لها العام الماضي بإسكان الحجاج إلى نحو 50 في المائة، نتيجة ترقب مستثمريها القرارات الجديدة وقيامهم بتأجير تلك المباني لمدة عشرة أشهر من العام على الراغبين في السكن المستديم، كما أحجم المستثمرون عن دخول السوق بالرغم من توافر السيولة نتيجة عدم اكتمال عناصر الثقة في الاقتصاد بشكل عام وسريان الشائعات في سوق مكة العقارية بشكل خاص.
وتمثلت تلك الشائعات التي بثت في إحداها أخيرا في التنظيمات الجديدة التي ستطرأ على لائحة إسكان الحجاج، التي تم تعديل بعض فقراتها بما في ذلك زيادة المساحة السكنية للحاج إلى أربعة أمتار بعد أن كانت ثلاثة أمتار ونصفا العام الماضي، فيما تقول الشائعة الأخرى إن هناك لجنة حكومية مشكلة من ثلاث جهات تعمل في الوقت الراهن على تحديد مناطق سكنية للحجاج، ومن المتوقع أن تكون تلك المنطقة هي الواقعة بين الحرم المكي الشريف والطريق الدائري الثالث، وأما الشائعة الأبرز فهي حول مصير العشوائيات وآلية تطويرها في مكة بعد أن بدأت في جدة.
وأبان خبراء عقاريون في مكة المكرمة منضوون تحت مظلة الغرفة التجارية الصناعية أن تأخر إيصال الخدمات إلى مخططات المنح وضعف المضاربة عليها كان لزيادة العرض نتيجة حالة الترقب سيتسبب خلال العام الجاري في هبوط أسعارها، وأن السوق لن تعود وتواصل الصعود مجددا ما لم تكتمل عناصر الثقة، خاصة وأنه هناك إحجام من قبل في ظل وجود السيولة.
وأبان المهندس عصام بصنوي نائب رئيس الغرفة التجارية الصناعية في مكة المكرمة رئيس لجنة الاستثمار والتطوير، أن الشائعات التي تدور حول مستقبل العشوائيات في العاصمة المقدسة بعد أن بدأ تنظيمها في جدة أسهمت في إدخال السوق العقارية في حالة من الركود التي ستدوم حتى تتجلى الرؤية بشكل كامل، وأن الترمومتر الذي سيتحكم في مؤشر العقار خلال المرحلة المستقبلية سيعتمد على البدء الفعلي في نزع ملكيات المناطق العشوائية، مشيراً إلى أن الوحدات السكنية الواقعة في المناطق القريبة من الحرم المكي الشريف مازالت تتمسك بأسعار على الرغم مما يحدث في السوق، مضيفاً: "إن المستثمرين لمساكن الحجاج يعيشون في حيرة من أمرهم نتيجة لعدم اتضاح رؤية مستقبل وحداتهم السكنية، حيث إن بعضهم لجأ إلى أن يقوم بتأجير وحدته السكنية لمدة عشرة أشهر على أن يخرج المستأجر قبل الحج بنحو 15 يوما، وهو الأمر الذي سيستفيد منه المستأجر إذ ستنخفض عليه نسبة أيجار الوحدة إلى نحو 50 في المائة، وقد يخسر أو يربح مالك المبنى بناء على ما ستتجه إليه قرارات الجهات المختصة عن مساكن الحجاج حيال إمكانية تحديد مناطق أو تركها مفتوحة كما تم العمل به في العام الماضي".
ويرى بصنوي أن من الضروري أن تدحض الشائعات التي يروج لها المستفيدون منها من ملاك العقارات وأصحاب المكاتب العقارية من خلال العودة إلى الجهات المختصة كإمارة منطقة مكة المكرمة وأمانة العاصمة المقدسة والهيئة العليا لتطوير منطقة مكة المكرمة لتوضيح الرؤية حول واقع العقار في مكة وتوجهاته المستقبلية، مفيدا أنه على الرغم من كون تحديد مناطق للحجاج لا يعدو كونه شائعة إلا انه لا يؤيد التوجه مطلقا، ويؤيد فتح مكة المكرمة بأكملها لإسكان الحجاج طالما المباني مستوفية لشروط لائحة إسكان الحجاج، وهو ما سيسهم فعلياً في خفض تكلفة الإيجار على الحاج بخلاف تحديد المنطقة الأمر الذي سيتسبب في زيادة أعباء الحاج المالية نظير ارتفاع أسعار المسكن.
وأشار بصنوي إلى أن الاستثمار العقاري في مكة المكرمة يتجه حاليا نحو أطراف مكة المكرمة خاصة في المناطق المجاورة للطرق الدائرية الجديدة، وأن التوجه العام للبناء بحث إمكانية إسكان الحجاج دون النظر بشكل فعلي إلى الإسكان الدائم، مفيداً أن التوجه نحو بناء مكاتب إدارية في مكة المكرمة يعد ضئيلاً نتيجة اشتراطات الأمانة التي تطالب بأن يكون مبنى المكاتب الإدارية على الشوارع العامة، وتوجه أغلبية العاملين في المكاتب إلى استئجار وحدات سكنية في أحياء داخلية وتحويلها إلى إدارية.
وطالب بصنوي أمانة العاصمة المقدسة بضرورة أن تتجه فعلياً وأن تغير من سياستها حيال ارتفاعات المباني التي يجب أن يعاد النظر فيها وأن يسمح للمباني التي حصرت في طابقين بالزيادة كما هو الحال المعمول به في جدة، التي يسمح لمالك الأرض ببناء سبعة طوابق مكونة من طابق أرضي، مواقف للسيارات، وأربعة طوابق مكررة وفيلا من طابقين في السطح، لافتاً إلى أن هذا التوجه سيحل أزمة الإسكان المتوقع حدوثها بعد البدء الفعلي في إزالة المناطق العشوائية، كما أنه سيسهم في حل أزمة الإسكان التي ستعاني مكة المكرمة خلال الخمس سنوات المقبلة.
من جهته أكد عبد الله سقاط نائب رئيس اللجنة العقارية في الغرفة التجارية الصناعية في مكة المكرمة أن تضمين لائحة إسكان الحجاج المعدلة التي صدرت أخيراً تقسيم المساحة السكانية على أربعة أمتار لكل حاج خلق حالة من الإرباك في صفوف المستثمرين وملاك المساكن، ذلك من خلال رفع ملاك المساكن المستوفية للشروط ذات المساحة السكانية الكبرى لسعر الإيجارات على المستثمرين في ظل الاعتماد على حجم العرض مقابل الطلب، وهو الأمر الذي بدوره سينعكس بالتالي سلبا على الحاج، حيث سترتفع نسبة الإيجار على الحاج، حيث إن اللائحة التي كان يعمل بها في السابق كانت تشترط أن تبلغ المساحة السكنية للحاج ثلاثة أمتار ونصف متر.
وأبان سقاط أن ملاك المباني السكنية عندما رخص لهم خلال حج العام الماضي بتأجير مبانيهم للحجاج دون الالتفات إلى المنطقة الواقعة فيها المبنى عملوا على إخراج السكان من المباني وتفريغها لاستقبال الحجاج، مضيفاً: "إن شائعة سرت في الوسط العقاري في مكة تقول إن أمانة العاصمة المقدسة ووزارة الحج وجهة مختصة أخرى لديها توجه خلاف ذلك الذي عمل به في حج العام الماضي فيما يتعلق بتحديد مناطق لإسكان الحجاج، وأن الشائعة تشير إلى أن من المحتمل أن يتم تحديد المنطقة الواقعة بين الحرم المكي الشريف والطريق الدائري الثالث منطقة سكن للحجاج مع استثناء بقية المناطق من تأدية دورها في عمليات الإسكان الموسمي".
وعاد سقاط ليقول: "إن الملاك الذين قاموا بإخراج سكانهم عادوا مجددا ليبحثوا عن سكان لوحداتهم السكنية التي ظلت فارغة بعد أن غادر الحجاج مكة المكرمة، في ظل تحفظهم على إمكانية أن يقوموا بتأجيرها مرة أخرى على الحجاج في موسم حج العام الجاري، الأمر الذي دفع بهم إلى تخفيض نسبة الإيجار في تلك الوحدات إلى نحو 20 في المائة شريطة أن يغادر المستأجر تلك الوحدة بعد عشرة أشهر من استئجارها".
وأكد سقاط أن عدم اكتمال المرافق وإيصال الخدمات إلى مخططات المنح تسبب في مواصلة هبوط أسعار تلك المناطق، خاصة بعد أن فاق حجم العرض الطلب نتيجة حالة الركود والإحجام عن المضاربات، التي بلغ حجم النقص فيها نحو 50 في المائة، مفيدا أن محدودية السيولة لدى بعض المستثمرين تسببت في إحجامهم عن التداولات العقارية، متوقعا أن تكون أسباب حالة الركود التي يعيشها العام الميلادي الجاري منذ مطلعه نتيجة حالة الترقب والتوقع بانخفاض الأسعار بشكل عام نتيجة لما يحدث في الاقتصاد العالمي بشكل عام.
وأوضح بندر الحميدة عضو اللجنة العقارية في الغرفة التجارية الصناعية في مكة المكرمة أن السوق العقارية في مكة المكرمة تعيش في الوقت الراهن حالة من الترقب تحسباً لانخفاض متوقع في الأسعار بشكل عام، مبيناً أن حالة الترقب التي تشهدها السوق تأتي مواصلة لتلك التي بدأت منذ تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي.
وأضاف الحميدة: "أسعار العقارات في السوق مازالت تتمسك بوضعها السابق، خاصة تلك الواقعة في المنطقة المركزية المحيطة بالحرم المكي الشريف، عدا مخططات المنح كمخطط ولي العهد والراشدية التي شهدت هبوطا في مستوى أسعارها بلغ 20 في المائة نتيجة تفوق العرض على حجم الطلب، وأما فيما يتعلق بمخططات المنح التي لا تتوافر فيها الخدمات فسعر المتر فيها رغم تواضع قيمته إلا أنه مازال يواصل الارتفاع، حيث تبلغ قيمة قطعة الأرض فيها ما بين 80 – 200 ألف ريال، ذلك نتيجة لتدني مستوى الأسعار فيها وقدرة ذوي الدخل المحدود على تملكها والشراء والبيع فيها أو استثمارها طويل الأجل، وكذلك نتيجة للمضاربات المستمرة في تلك المواقع، الأمر الذي ساهم في الحفاظ على مؤشر تداولها العقاري خلاف المناطق الأخرى التي أصيب فيها المؤشر بنوع من الشلل المتوقع أن يكون وقتياً".
وأفاد الحميدة أن الشائعات حول مساكن الحجاج وتعديل أنظمتها أو تحديد مناطقها هي الأكثر تبادرا إلى أذهان المستثمرين في مكة المكرمة، وهي أيضا التي تحدد توجهاتهم للتملك والبناء والاستثمار، مشيراً إلى أن الإعلان عن أي أنظمة تستحدث يجب أن يكون من مطلع أي عام جديد حتى يتمكن المستثمرون من تحديد تلك التوجهات ومواصلة عملية البناء والتطوير في ضوئها. وأردف أن الإعلان أخيرا عن اللائحة المعدلة لإسكان الحجاج، التي نصت في بعض فقراتها على عدم التصريح للمنازل الشعبية والمباني الملاصقة للمنشآت الخطرة، التي لا تصلها آليات الدفاع المدني، إلزام المستأجر بتوفير مبان احتياطية بنسبة تكفي لإسكان 1 في المائة من إجمالي عدد الحجاج لاستخدامها في حالات الطوارئ، وألا تقل المساحة المخصصة لكل حاج في الغرفة عن أربعة أمتار مربعة، ستسهم بدورها في رفع قيمة الإيجار على الحاج بنسبة قد تصل إلى 20 في المائة مقارنة بمتوسط السعر الذي كان معمولا به، المقدر بنحو 1800 ريال نتيجة للسماح لجميع الأحياء في مكة المكرمة بإسكان الحجاج وفقاً لتطابق المساكن مع الاشتراطات التي كان معمول بها في السابق.
ودعا الحميدة المسؤولين عن تحديد مناطق إسكان الحجاج إلى فتح حلقة حوارية مع المستثمرين حتى يتمكنوا بذلك من تحديد نسبة الاحتياج لمساكن الحجاج وبالتالي يتم العمل على توفير المساكن الخاصة بالسكان من أهل مكة، مرجعاً أسباب تباطؤ حركة النمو في المخططات البعيدة عن الحرم كمخطط الشوقية وبطحاء قريش، التي كانت تعتمد في إيصال حجاجها من خلال استخدام وسائل النقل العام التي بدورها هي الأخرى لم تكن حلا بل تسببت في إرباك الحركة المرورية إلى عدم اتضاح الرؤية للمستثمرين فيها، مؤيدا فتح جميع الأحياء لإسكان الحجاج ولكن مع بعض التحفظ، خاصة أن تلك الأحياء تقع داخل حد الحرم وبذلك تكون قد استوفت الشرط الشرعي.
وأشار الحميدة إلى أن اقتصاد مكة المكرمة يعتمد بنسبة 75 في المائة على الحجاج والمعتمرين سواء كان ذلك في قطاع الإسكان أو الإعاشة أو المواصلات وغيرها، وأن توجه رجال الأعمال لبناء مساكن خاصة بالحجاج يبلغ نحو 80 في المائة من حجم التوجه الكلي لمشاريع المنطقة.
وزاد الحميدة أن تأخر إيصال الخدمات إلى مخططات المنح وضعف المضاربة عليها لزيادة العرض نتيجة حالة الترقب سيتسبب خلال العام الجاري في هبوط أسعارها بشكل قد يكون متواصلا، وأن السوق لن تعود وتواصل الصعود مجددا ما لم تكتمل عناصر الثقة، خاصة أن هناك إحجاما من قبل المستثمرين على دخول السوق العقارية في ظل وجود السيولة نتيجة عدم اتضاح الرؤية العامة لمستقبل الاقتصاد خلال العام الحالي.
المصدر جريدة الاقتصاديه